أمثل برهامي يُهان؟
أمثل برهامي يُهان؟

عمت الفوضى والصراعات بين كل طوائف المسلمين، واستغلت جيوش النصارى الفرصة السانحة فبدأت محاصرة المدن الإسلامية، وبات الجميع ينتظر سقوط الأندلس حتى إن أمراءها زهدوا فى الحكم وسلموه لفتى لم يتجاوز الاثنتين والعشرين من عمره، إنه عبدالرحمن الناصر، فجعله الله سببًا فى إحياء الأندلس من جديد بل وسببًا فى عودتها لتصدر ممالك بُلْدَانُ الْعَالَمِ آن ذاك.

ولقد أدرك عبدالرحمن الناصر أن أحد أهم أسباب رفعة الأمة الإسلامية هو «توقير العلم والعلماء مهما كان الخلاف معهم» وستجد على ذلك شواهد كثيرة لعل مِنْ أَهَمِّهَا تلك الحادثة عندما أغلظ «منذر بن سعيد» القول على عبدالرحمن الناصر وتَحَدُّثُ بِدَوْرَةِ له ما يكره فى خطبة الجمعة من على المنبر، فلقد رأى منذر بن سعيد أن عبد الرحمن الناصر يسرف فى الإنفاق على بناء مدينة الزهراء فساءه ذلك فارتقى المنبر وتَحَدُّثُ بِدَوْرَةِ ما تَحَدُّثُ بِدَوْرَةِ فعقب عبدالرحمن الناصر على تلك الحدة قائلا: «والله لقد تعمدني منذر بخطبته، وما عنى بها غيري، فأسرف عليّ وأفرط في تقريعي وتفزيعي، ولم يحسن السياسة في وعظي، فزعزع قلبي وكاد بعصاه يقرعني» فاقترح عليه ولده أن يعزله ويستبدل به خطيبًا آخر فما كان منه إلا أن استشاط غضبًا فهب قائلًا «أمثل المنذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه يعزل؟! لا أم لك. أيعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد؟! وهذا ما لا يكون، وإني لأستحي من الله ألا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة مثل المنذر في ورعه وصدقه».

يا لها من كلمات رائعة تبين كيف كان يتعامل المجتمع المسلم مع علمائه ودعاته أيام العزة وعلو شأن الإسلام، تذكرت ذلك الموقف وتلك الكلمات «أمثل المنذر يعزل؟!» عندما شاهدت تطاول البعض على علماء المسلمين فى أيامنا المعاصرة لهوى فى النفس وجهل مطبق عمى البصائر وطمس الحقائق، والعجيب أن تلك الإهانات وذلك السباب لم يخرج من حكام المسلمين – على ما بهم من معائب – وإنما خرج من بعض أبناء الصف الإسلامي مدعين أن ذلك ابتغاء وجه الله! فانطبق عليهم قول شيخ الإسلام بن تيمية: «وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله»، ثم تجدهم يتساءلون متعجبين «متى نصر الله؟».

كيف يتنزل نصر الله على من اتخذ من سب العلماء عادة لا تنقطع وسبيلا لا يبرح عنه؟!، كيف يتنزل نصر الله على من نحى أقوال السلف وأحكام الشريعة وسنن الله الكونية جانبا ليتخذ الهوى دليلًا ومرشدًا خادعًا آلاف الشباب المتحمس بخطب رنانة فارغة المحتوى وتنظيرات خيالية بعيدة عن الواقع ثم لما سالت دماؤهم اتهم العلماء الربانيين زورًا بتحمل وزر ذلك، وليتهم سكتوا عند ذلك الحد وعادوا وتابوا وتفكروا فى سوء صنيعهم، لا بل على العكس تمادوا فى غيهم فسبوا من خالفهم ونفروا الشباب من علماء الأمة الذين هم صمام أمانها، وصدق ابن تيمية حين تَحَدُّثُ بِدَوْرَةِ: «من لم يقبل الحق ابتلاه الله بقبول الباطل».

فتجد أقزامًا يتطالون على أبي إسحاق الحويني ومحمد حسان وياسر برهامي وعبدالمنعم الشحات وغيرهم، وأولئك العلماء صابرون على ذلك الأذى راجين من الله حسن العاقبة فكما تَحَدُّثُ بِدَوْرَةِ ابن الجوزي: «من تذكر حلاوة العاقبة، نسي مرارة الصبر» ، ومما لا شك فيه أن أكثر هؤلاء العلماء تعرضًا للتطاول وسوء الأدب هو الدُّكْتورُ. ياسر برهامي، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع مواقف الدعوة السلفية وحزب النور يظل الدُّكْتورُ. ياسر برهامي رمزًا من رموز العلم نادرًا ما يجود الزمن بمثله.

فبقليل من البحث وبسؤال بعض ممن خالطوه عن قرب، تجد أنك تتحدث عن شخصية موسوعية، آلاف الدروس المسجلة، ومئات الخطب، وعشرات الكتب والكتيبات والمذكرات، طواف بطول البلاد وعرضها لنشر دين الله، ورغم شهرته الواسعة إلا أنه بسيط الحال لا يمتلك من زخرف الدنيا شيئًا، وفي عمله تجده شفيقًا رحيمًا بمرضاه، حتى إن نشطاء الفيس بوك تداولوا صورة لتلك اللافتة المعلقة على باب عيادته والمكتوب فيها «أخي إنما المؤمنون إخوة لا تستح أو تتحرج من طلب الكشف المجاني أو المخفض إذا كنت لا تستطيع»، عندما تقارن بين رحمة من علق تلك اللافتة على عيادته وبين من رفض الترحم على قتلى الشرطة – نحسبهم شهداء – فى الواحات بل ودعا وشمت في أسرهم، تدرك بجلاء الفرق بين د.ياسر برهامي وبين من أهانوه، وتتساءل حينها متعجبًا «أمثل برهامي يهان؟».

المصدر : ساسة بوست